عبد الملك الثعالبي النيسابوري

239

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

يتألم مولاي منها ، ويضيق صدرا بها ، فليست والحمد للّه محذورة العاقبة ، وإنها لتزول بإقبال العافية . فالرعشة التي تتخوف هي التي تعرض من ضعف القوة الحيوانية كما تعرض للمشايخ ، وتؤذي لمشاركتها الدماغ كثيرا من العظام ، فأما هذه التي تعتاد عقيب الحمى فهي على ما قال جالينوس من أن حدوثها يكون إذا شاركت العروق التي تحدث فيها علة العصب ، وتزول عنه بزوال الفضل . وعجب مولاي من تكرهه شم الفواكه ، ولا غرو إذا عرف السبب ، فإن العفونة التي في العروق قد طبقت روائحها آلات الشم ، فما يصل إليها من الروائح الزكية ، يرد على النفس مغمورا بتلك الروائح الخبيثة فتكرهها ولا تقبلها . وتأباها ولا تؤثرها . ألا يرى مولاي أن الأشياء الحلوة توجد في فم ذي الصفراء بطعم الأشياء المرة ، لامتلاء المرارة المضادة للحلاوة على آلات الذوق والمضغ والإدارة وهذا راجع إلى مثل ما حكمنا به أولا من أن هناك فضلا لا يمكن الهجوم على تحليله ، لما يخشى من سقوط القوة ، وإن كان مما لم يخرج لم يوثق بوفور الصحة ، وأنا أحمد اللّه إذ ليست شهوة سيدي متزايدة ، فالشهوة الغالبة مع الأخلاط الفاسدة تغري صاحبها بالأكل الزائد ، وتعرض للمزاج الفاسد . إلا أن التغذي لا يجوز إهماله دفعة والتبرم به ضربة . فإن البدن إذا احتاج إليه وجب للعليل أن يتناوله تناول الدواء الذي يصبر عليه . وذلك أن في دقة الحمية وترك الرجوع أول فأول إلى عادة الصحة إماتة للشهوة ، وخيانة للقوة . وجالينوس يشرط في العلاجات أجمع استحفاظ القوى ، لأن الذي يفعله الضعف لا يتداركه أمر ، إلا أن ذلك بإزاء ما قال الحكيم الأول بقراط في البدن السقيم : انك متى ما زدته غذاء زدته شرا ، وهو في نفسه يقول : إن الحمية التي في غاية الدقة ليست بمحمودة ، فالطرفان من الإسراف والإجحاف مذمومان ، والواسطة أسلم ، أغنى اللّه مولاي عن الطب والأطباء بالسلامة والشفاء .